الجمعة، 9 مارس، 2012

وماذا عن هويتنا ... ؟!


وماذا عن هويتنا ... ؟!
بدأت منافسات الانتخابات الرئاسية الفرنسية في الاشتعال  بين مختلف المرشحين خاصة بين  المرشحين الأبرز في هذه الانتخابات وهما الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي ومرشح الحزب الاشتراكي اليساري فرانسوا هولاند .
قام المرشح ساركوزي ، في أحد خطبه في حملته الانتخابية وكعادته ، بشن حملة عنيفة على المهاجرين الأجانب في فرنسا الذين يشكلون تقريبا 10% من اجمالي عدد السكان . وإتهمهم بعدم الاندماج في المجتمع الفرنسي بعد كل هذه السنين من العيش فيها واعتبرهم تهديدا لما يسميه بقيم الجمهورية الفرنسية ولهويتها وثقافتها بسبب أنهم يريدون فرض نمط حياتهم وليس نمط العيش الفرنسي العلماني المستند على العلمانية والديمقراطية والحريات !
إن ما يطرحه ساركوزي من خطاب متشدد باتجاه الأجانب ليس بجديد عليه ، فقد قام بذلك ولمرات عدة حتى قبل أن يكون رئيسا للجمهورية ، هذا فضلا عما يقوم به وزير داخليته حاليا من دور مشبوه في انتقاد المهاجرين واطلاق تصريحات عنصرية علنية يخدم بها رئيسه . ولا اعتقد إن ذلك يعود فقط لأسباب انتخابية في محاولة لكسب اصوات اليمين المتطرف في فرنسا كما يشاع ، بل ينبع ذلك عن عقيدة وفكر لدى هؤلاء ومن يقول غير ذلك واهم ، فاليوم لم يعد أحد يخجل في القول بأنه سيصوت لليمين المتطرف وإن ذلك حقه في التعبير وإبداء الرأي واختيار من يريد .

هذا هو ساركوزي مدعي الحرية والديمقراطية ، رئيس دولة عريقة كفرنسا لها تاريخها وحضارتها ومؤسساتها ، يعتبر المهاجرين الأجانب الذين لا يتجاوزون ال10% من إجمالي السكان تهديدا لبلاده ويطالب بالحفاظ على ثقافة وهوية بلده من هؤلاء "الدخلاء" ، وهذا حقه في أن يطالب الآخرين باحترام النظام والثقافة القائمة في بلده وعاداتها وتقاليدها وقيمها كما يدعي وحق الدول في فرض أنظمتها وقوانينها ولكن يجب أيضا احترام خصوصية كل فرد في اختيار طريقة حياته طالما التزم بالقانون والآداب العامة ولم يتعدى على حقوق الآخرين .
لكن مهما قيل عن فرنسا فالنظام القائم هناك فرنسي بامتياز ومهما قيل عن الأجانب فأن ذلك مبالغ فيه إلى حد كبير إذ لم يستطيعوا مطلقا التأثير على الحياة الفرنسية بل بالعكس تأثر أغلبهم بها وإن أثر أحدهم بأي شيء بأي شكل كان فأن ذلك أتى محدودا جدا وفي محيطه فقط لأن من يحكم في فرنسا هي القوانين والمؤسسات ولايتخذ فيها القرارات إلا بالتصويت عليها من خلال مؤسسات الشعب ، أيا كانت سواء اتفقنا معها أم لا.
إذن , اذا كان ساركوزي و فرنسا يعتبران ال10% من المهاجرين لديها تهديدا ، فماذا عنا نحن في قطر حيث الآية مقلوبة تماما إذ يبلغ عدد السكان الأجانب حوالى ال90% المرشح للإزدياد ويتجاوز المواطنون حاليا بالكاد حاجز ال10% وهو مرشح للإنخفاض ؟!
يتفق الجميع على المستوى الشعبي في أن ذلك يعد خللا كبيرا قاتلا في التركيبة السكانية وتهديدا مخيفا قائما بدأ منذ سنوات ومستمرا لهوية وثقافة البلد ، وقد قدم العديد من الأخوة المقالات والتقارير والدراسات والأبحاث والكتب حول هذه المشكلة الآفة وكيف إن بلدنا والبلاد المجاورة بدأت في الغرق والذوبان وضياع الهوية والتراث بسببها ما لم نتدارك الأمر ونتكاتف جميعا لوقفها والعمل على الحد منها بل والعمل على القضاء عليها , ولكن ، يبدو إن للبعض رأي مختلف ..... ؟!.
شهدت الدولة طفرة اقتصادية كبيرة خلال السنوات الأخيرة أرتفع بسببها عدد سكان البلاد من قرابة ال 000ر700 إلى ما يفوق ال 000ر800ر1 وهذا في ظرف سنوات قليلة . وقد شهدنا كيف أثر هذا العدد الكبير من القادمين على الجانب الاجتماعي والثقافي والتعليمي بالأخص للبلاد ، فتراجع الإهتمام بالعادات والتقاليد والتراث والمحافظة على الهوية الوطنية بدواعي ما يسمى بالانفتاح وتعدد الثقافات . فصرنا نرى تنظيم المهرجانات والحفلات والفعاليات  والمناسبات الأجنبية أكثر منها من المحلية والعربية وأنشئت فرق موسيقية لا علاقة لها بثقافة البلاد صارت تجول بإسمها في وقت قل الاهتمام بالفرق الشعبية والموسيقية والمسرحية الوطنية ، وبلغ بنا الأمر إلى درجة إقصاء القطريين وتهميشهم وتعيين الأجانب محلهم والمضحك المبكي هو أن الأجانب صاروا يعملون حتى في مجالات الهوية والتراث والثقافة الوطنية - خذ المتاحف كمثال من بين أمثلة أخرى كثيرة – وأصبحوا يمثلوننا في المحافل الدولية المختلفة وسمح للمقاهي والملاهي في الفنادق بتقديم الخمور في وقت لم نكن نتصور أبدا حدوث ذلك وتسخر وتنشأ العديد من الإمكانات الخدمية والترفيهية لخدمتهم . وبكل هذا وغيره الكثير ما لا يسع المجال لسرده هنا أستطاع الأجنبي أن يفرض نمط معيشته وثقافته علينا بتغير الواجهة الحياتية اليومية بدلا من أن نفرض نحن نموذج معيشتنا كوننا نعيش في بلدنا ، وصار للأسف من يلبس اللباس الوطني قليلا من بين الأفواج التي نراها أمامنا يوميا . الأنكى من كل ذلك هو التضحية باللغة العربية التي هي أساس الهوية الوطنية لتصبح لغة ثانوية حالها حال العديد من اللغات التي يستخدمها الوافدون وتقديم اللغة الإنجليزية لتصبح اللغة الأولى في التعليم والتعامل والمعاملات وهذا يشمل بعض الجهات الحكومية مع الأسف الشديد . مع كل هذا ، يجب أن أقول بأن الأجنبي لم يفرض نموذجه المعيشي بقوته وإرادته بل بمحض إرادة ورغبة البعض منا في ذلك لأسباب تعود إليهم لم يرجع فيها إلى المجتمع الذي رأى كيف تحولت الأمور بعيدا عنه ودون مشاورته أو طلب رايه وهو المعروف عنه المحافظة على العادات والتقاليد !    
وعلى الرغم من كل هذه المخاطر الإجتماعية والثقافية والإقتصادية التي حذر ويحذر منها وقد حدثت لهذا التحول الماهول في التركيبة السكانية والإمكانات الهائلة المكلفة جدا التي سخرت وتسخر لاستيعاب هذه الأرقام من خدمات إدارية وصحية وبنية تحتية وخلافه ، وعلى الرغم من النتائج السلبية ، ومنها الكارثية ، التي برزت بسبب هذه الأوضاع الغير طبيعية لا يزال الأمر مستمرا على نفس المنوال ، ولا تزال المشاريع العقارية مستمرة كالأبراج والوحدات السكنية بمختلف اصنافها وبناء مدن جديدة كمشروع الوسيل ، وبناء المشاريع الترفيهية والخدمية ما يوحي لنا بأن هناك لا تزال أعداد كبيرة أخرى قادمة للبلاد مما يطرح هذا السؤال : لماذا ومن المستفيد ؟! .
لقد رمى ساركوزي وغيره من الفرنسيين بكل شعارات الحرية والديمقراطية وتعدد الثقافات التي تتشدق بها بلادهم ، وقرعوا أجراس الإنذار ونواقيس الخطر لوجود مهاجرين أجانب في بلادهم لا يتجاوز عددهم ال 10% من إجمالي السكان أعتبروهم تهديدا لهويتهم في سبيل الحفاظ على الثقافة الفرنسية وحمايتها وهي الثقافة التي لها تاريخها وجذورها ، أما عندنا فلا أدري إلى متى ستبقى أجراس الإنذار ونواقيس الخطر دون قرع أو دق على الرغم من بلوغ الأجانب ما نسبته قرابة ال 90% من إجمالي عدد السكان والعدد في ازدياد .... ؟! يا ترى إلى أين نسير أو قل نسار ؟
سائلين المولى أن يسترها معنا ويحفظ أهلنا وبلادنا ، اللهم آمين .    

هناك 3 تعليقات:

  1. لا نستطيع أن نعيش في معزل عن الآخرين ، فالاعلام مثلا أ‘تقد أنه مؤثر أكثر من تواجد الأجانب وبشكل كبير ، ولعل الخطير في الأمر هو أن يكون لهؤلاء مؤسسات تنفذ آراءهم على أرض الواقع

    شكرا لك الاستاذ حسن على هذه المقالة

    ردحذف